إدمان الإنترنت

إعداد الدكتور مازن محسن الخليل
الاختصاصي في الامراض النفسية

مقدمة
قد يستغرب القارئ الكريم عندما يرى كلمة “إدمان” مضافة إلى “إنترنت”, فعادة ما يكون الإدمان مرتبطاً باستخدام مواد تدخل جوف الإنسان مثل المسكرات، والمخدرات. ولكن الحقيقة أن هناك عدداً من الدراسات في مجال الإدمان قد توصلت إلى أنه قد يحدث إدمان مرضي من جراء استخدام الإنترنت بطريقة غير سليمة. ومن هذه الدراسات: دراسة قامت بها الدكتورة (كيمبرلي يونج) الأخصائية النفسية في مؤتمر مؤسسات علماء النفس الأمريكيين المنعقد عام (1997) على حوالي (500) شخص ممن يستخدمون الإنترنت بشكل مكثف. بناء على عدد ساعات الاستخدام، والتأثير الذي قد ينتجه الاستخدام المكثف على حياة الشخص الاجتماعية والعملية. تم تصنيف من تمت عليهم الدراسة إلى صنفين:
الصنف الأول: هم ممن يقضون في المتوسط (38) ساعة أسبوعياً على استخدامات لا تمت لعملهم أو دراستهم /بالنسبة للطلاب / بصلة ؛ حيث كان لهذا الاستخدام المكثف أثر سلبي على إنتاجية المستخدم العملية أو الدراسية، كما كان له تأثير سلبي على حياتهم الاجتماعية. وقد تم وصفهم في هذه الدراسة ب “مدمني إنترنت”. والصنف الآخر: هم الذين لا يستخدمون الإنترنت بنفس كثافة استخدام الصنف الأول، ولم يكن لاستخدامهم أثر على حياتهم العملية، أو الاجتماعية.
وفي دراسة مماثلة أظهرت أن حوالي (50%) من مدمني الإنترنت الذين يستخدمون الشبكة بما لا يقل عن (40) ساعة أسبوعياً فيما لا علاقة له بالعمل لا يستطيعون النوم أكثر من (4) ساعات يومياً .
وتسمى هذه الفئة بظاهرة (إدمان الإنترنت)(Internet Addiction)
وتتعلق بالاستخدام الزائد عن الحد للكمبيوتر والإنترنت ؛ حيث تتنامى وبشدة البحوث النفسية التي تؤكد أن الاستخدام المبالغ فيه لشبكة الإنترنت يسبب إدماناً نفسياً، قريباً نوعاً ما في طبيعته من الإدمان الذي يسببه التعاطي المكثف للمخدرات، والمشروبات الكحولية.
أعراض إدمان الإنترنت :
إدمان الإنترنت يعرف بأنه حالة من الاستخدام المرضي وغير التوافقي للإنترنت يؤدي إلى اضطرابات سريرية يستدل عليها بوجود المظاهر التالية:
التحمل: أي الميل إلى زيادة ساعات استخدام الإنترنت ؛ لإشباع الرغبة نفسها التي كانت تشبعها من قبل ساعات أقل.
السحب: أي المعاناة من أعراض نفسية وجسمية عند انقطاع الاتصال بالشبكة، ومنها التوتر النفسي الحركي (حركات عصبية زائدة)، والقلق، وتركيز التفكير بشكل قهري حول الإنترنت وما يجري فيها، وأحلام وتخيلات مرتبطة بالإنترنت، وحركات إرادية، ولا إرادية تؤديها الأصابع مشابهة لحركات الأصابع على الكمبيوتر، والرغبة في العودة إلى استخدام الإنترنت لتخفيف أو تجنب أعراض الانسحاب ، إضافة إلى الميل إلى استخدام الإنترنت بمعدل أكثر تكراراً ، أو لمدة زمنية أطول تتجاوز ما كان الفرد يخطط له أصلاً.
كما أنه من أعراض إدمان الإنترنت، بسبب مواصلة استخدام هذه الخدمة حدوث مشكلات جسمية ، اجتماعية ، مهنية ،نفسية ( دائمة ، أو متكررة ) تنتج في الأساس بسبب الاستخدام المبالغ فيه للشبكة مثل: السهر، الأرق، مشكلات زوجية، آلام الظهر والرقبة، التهاب العينين، التأخر عن العمل صباحاً ، إهمال واجبات ومواعيد العمل ، إهمال حقوق الأقارب والأصدقاء.. إلخ.
إضافة إلى ذلك فإن إدمان الإنترنت، أدى بالبعض إلى فقدان علاقات اجتماعية جوهرية ، أو إهدار فرص الترقية ، وتحسين الوضع الوظيفي بسبب الانشغال به ، فيما يلجأ البعض إلى الكذب ، وخداع أفراد الأسرة ، أو الطبيب ، أو أي شخص آخر؛ لإخفاء مقدار التورط ، والتعلق الشديد بالشبكة ، بينما يلجأ البعض إلى استخدام الكمبيوتر كأسلوب للهروب من المشكلات، وتخفيف سوء المزاج الذي يعانيه الشخص مثل: الشعور بالعجز، أو الذنب، أو القلق، أو الاكتئاب.
إدمان الأطفال للإنترنت:
أما عن تأثير الاستخدام السيئ للإنترنت على الأطفال، فيقود إلى اضطراب وتغير عادات النوم لدى الأطفال، ناهيك عن المشكلات الدراسية، وتدني مستوى التحصيل العلمي لدى الأطفال. كما أن الاستغراق في الإنترنت يؤدي إلى توقف الأطفال عن ممارسة الهوايات، والأنشطة الأخرى المحببة لديهم، في حين يمتنع أطفال آخرون عن التنزه، ومقابلة الأصدقاء، والانضمام إلى الجلسات الأسرية، كما يصاب بعض الأطفال بنوبات غضب وعنف عند محاولة وضع حدود وضوابط لاستخدام الشبكة من قبل الوالدين، أو يتحايل بعضهم للدخول إلى الشبكة من دون علم الوالدين أو تحدياً لهم.
مجالات الاستخدام الأكثر شيوعاً بين المدمنين:
يمكن تصنيف إدمان الإنترنت بناء على مجالات الاستخدام إلى أربعة أصناف:
الإدمان الجنسي: إن الانتشار السريع والمتجدد للمواقع الإباحية على شبكة الإنترنت كان له دور رئيسي في هذا النوع من الإدمان. ولا يقتصر الإدمان الجنسي على دخول المواقع الإباحية على الإنترنت، بل يتعدى ذلك إلى إمضاء أوقات طويلة في بعض غرف الحوارات(Chat Rooms) في أحاديث جنسية مع مستخدمين آخرين, أو تبادل صور، أو عناوين لمواقع إباحية على الإنترنت.
تشير بعض الإحصائيات إلى أن أكثر من (15%) من مستخدمي الإنترنت قاموا بتصفح أكبر (10) مواقع إباحية على الإنترنت خلال شهر واحد في عام 1998م، كما تشير إحصائيات أخرى إلى أن أكثر من (60%) من المراهقين في الولايات المتحدة يتصفحون وبشكل مستمر مواقع إباحية وبدون علم أولياء أمورهم!.
إدمان الحوارات: ويكون ذلك إما عن طريق الدخول في غرف الحوارات Chat Rooms) ) أو عن طريق البريد الإلكتروني. وبغض النظر عن نوعية الأحاديث المتبادلة من خلال هذه الغرف، فإن كثيراً من المستخدمين يقضون أوقاتاً طويلة تكون على حساب التزامات اكاديمية وعمليَة واجتماعية.
الألعاب الإلكترونية: ويضم هذا الصنف الاستخدام المكثف للألعاب الإلكترونية الموجودة على شبكة الإنترنت، كما يشمل كذلك لعب القمار والدخول إلى مواقع (الكازينوهات التخيلية) والتي تمكن المستخدمين من اللعب مع آخرين كما لو كانوا في كازينو حقيقي.
الإفراط المعلوماتي: إن لكثرة المعلومات وتنوعها على شبكة الإنترنت دوراً في إفراط بعض المستخدمين في تصفح المواقع المختلفة على الشبكة، وقضاء وقت طويل في التنقل من موقع لآخر بدون هدف.
سلبيات الإدمان :
1 – مشاكل صحية:
يتسبب الإدمان في اضطراب نوم صاحبه؛ بسبب حاجته المستمرة إلى تزايد وقت استخدامه للإنترنت؛ حيث يقضي أغلب المدمنين ساعات الليل كاملة على الإنترنت، ولا ينامون إلا ساعة أو ساعتين حتى يأتي موعد عملهم أو دراستهم، ويتسبب ذلك في إرهاق بالغ للمدمن، مما يؤثر على أدائه في عمله، أو دراسته، كما يؤثر ذلك على مناعته؛ ويجعله أكثر قابلية للإصابة بالأمراض، كما أن قضاء المدمن ساعات طويلة دون حركة تذكر يؤدي إلى آلام الظهر وإرهاق العينين، ويجعله أكثر قابلية لجدوث متلازمة نفق الرسغ (carpal tunnel syndrome)
2 – مشاكل أسرية:
يتسبب انغماس المدمن في استخدام الإنترنت، وقضائه أوقاتاً أطول، في اضطراب حياته الأسرية؛ حيث يقضي المدمن أوقاتًا أقل مع أسرته، كما يهمل المدمن واجباته الأسرية والمنزلية؛ مما يؤدي إلى إثارة أفراد الأسرة عليه.
وبسبب إقامة البعض علاقات غرامية غير شرعية من خلال الإنترنت تتأثر العلاقات الزوجية حيث يحس الطرف الآخر بالخيانة، وقد أطلق على الزوجات اللاتي يعانين من مثل هؤلاء الأزواج بأنهن / أرامل الإنترنت /، ويعترف (53%) من مدمني الإنترنت أن لديهم مثل تلك المشاكل؛ وذلك طبقاً للدراسة التي نشرتها كيمبرلي يونج التي ذكرناها سابقاً.
3 – مشاكل أكاديمية:
بيّن الاستطلاع الذي نشره أ.بربر عام (1997) في مجلة (USA Today) تحت عنوان: “تساؤلات حول القيمة التعليمية للإنترنت”،أن (86%) من المدرسين المشتركين في الاستطلاع،يرون أن استخدام الأطفال للإنترنت لا يحسن أداءهم؛ وذلك بسبب انعدام النظام في المعلومات على الإنترنت، بالإضافة إلى عدم وجود علاقة مباشرة بين معلومات الإنترنت ومناهج المدارس.
وقد كشفت دراسة كيمبرلي يونج -السابقة الذكر- أن (58%) من طلاب المدارس المستخدمين للإنترنت، اعترفوا بانخفاض مستوى درجاتهم وغيابهم عن حصصهم المقررة بالمدرسة، ومع أن الإنترنت يعتبر وسيلة بحث مثالية، فإن الكثير من طلاب المدارس يستخدمونه لأسباب أخرى كالبحث في مواقع لا تمت لدراستهم بصلة، أو الثرثرة في حجرات الحوارات الحية، أو استخدام ألعاب الإنترنت.
4 – مشاكل في العمل:
بسبب وجود الإنترنت في مكان عمل الكثير من الناس، يحدث في بعض الأحيان أن يضيع العامل بعض وقت عمله في اللعب على الإنترنت، أو استخدامه في غير موطن تخصصه، ويشكل ذلك مشكلة أكبر إذا كان العامل مدمناً للإنترنت، كما أن سهر مدمن الإنترنت طيلة ساعات الليل يؤدي إلى انخفاض مستوى أدائه لعمله.
ولحل تلك المشكلة يقوم بعض رؤساء الأعمال بتركيب أجهزة مراقبة على شبكات الكمبيوتر في محل عملهم؛ للتأكد من استخدام الإنترنت فقط في مجال العمل.
علاج إدمان الإنترنت :
حسب رأي الدكتورة (يونج) فإن هناك عدة طرق لعلاج إدمان الإنترنت، أول ثلاث منها تتمثل في إدارة الوقت، ولكنه -عادة- في حالة الإدمان الشديد لا تكفي إدارة الوقت؛ بل يلزم من المريض استخدام وسائل أكثر هجومية:
1 – عمل العكس:
فإذا اعتاد المريض استخدام الإنترنت طيلة أيام الأسبوع،نطلب منه الانتظار حتى يستخدمه في يوم الإجازة الأسبوعية، وإذا كان يفتح البريد الإلكتروني أول شيء حين يستيقظ من النوم، نطلب منه أن ينتظر حتى يفطر، ويشاهد أخبار الصباح، وإذا كان المريض يستخدم الكمبيوتر في حجرة النوم نطلب منه أن يضعه في حجرة المعيشة… وهكذا.
2 – إيجاد موانع خارجية:
ضبط المنبه قبل بداية دخوله الإنترنت، بحيث ينوي الدخول على الإنترنت ساعة واحدة قبل نزوله للعمل مثلاً حتى لا يندمج في الإنترنت بحيث يتناسى موعد نزوله للعمل.
3 – تحديد وقت الاستخدام:
تقليل وتنظيم ساعات استخدامه، بحيث إذا كان مثلاً يدخل على الإنترنت لمدة (40) ساعة أسبوعيًّا،نطلب منه التقليل إلى (20) ساعة أسبوعيًّا، وتنظيم تلك الساعات بتوزيعها على أيام الأسبوع في ساعات محددة من اليوم، بحيث لا يتعدى الجدول المحدد.
4 – الامتناع التام:
كما ذكرنا فإن إدمان بعض المرضى يتعلق بمجال محدد من مجالات استخدام الإنترنت. فإذا كان المريض مدمناً لغرف الحوارات الحية، نطلب منه الامتناع عن تلك الوسيلة امتناعاً تاماً،في حين نترك له حرية استخدام الوسائل الأخرى الموجودة على الإنترنت.
5 – إعداد بطاقات من أجل التذكير:
إعداد بطاقات يكتب عليها خمسًا من أهم المشاكل الناجمة عن إسرافه في استخدام الإنترنت، كإهماله لأسرته، وتقصيره في أداء عمله مثلاً، ويكتب عليها أيضًا خمساً من الفوائد التي ستنتج عن إقلاعه عن إدمانه، مثل: إصلاحه لمشاكله الأسرية، وزيادة اهتمامه بعمله، ويضع المريض تلك البطاقات في جيبه، أو حقيبته حيثما يذهب بحيث إذا وجد نفسه مندمجًا في استخدام الإنترنت يخرج البطاقات ليذكّر نفسه بالمشاكل الناجمة عن ذلك الاندماج.
6 – إعادة توزيع الوقت:
لابد أن يفكر المريض في الأنشطة التي كان يقوم بها قبل إدمانه للإنترنت؛ ليعرف ماذا خسر بإدمانه مثل: القراءة ، والرياضة، وقضاء الوقت مع الأسرة، والقيام بزيارات اجتماعية وهكذا.. نطلب من المريض أن يعاود ممارسة تلك الأنشطة لعله يتذكر طعم الحياة الحقيقية وحلاوتها.
7 – الانضمام إلى مجموعات التأييد:
كوسيلة مساعدة أيضاً لابد من زيادة رقعة حياته الاجتماعية الحقيقية، بالانضمام إلى فريق كرة مثلاً، أو إلى درس لتعليم الخياطة، أو الذهاب إلى السينما أو مراكز ثقافية حسب توجهات الشخص ؛ ليكوّن حوله مجموعة من الأصدقاء الحقيقيين.
8 – المعالجة الأسرية:
في بعض الأحيان تحتاج الأسرة بأكملها إلى تلقي علاج أسري بسبب المشاكل الأسرية التي يحدثها إدمان الإنترنت بحيث يوضع برنامج يساعد على استعادة النقاش والحوار فيما بينها، ولتعلم الأسرة بمدى خطورة تجاوز الحد المعقول في استخدام الإنترنت المؤدي إلى إدمانه.
ختاماً:
إن الحديث عن أضرار الانترنت لا يعني تجاهله والعزوف عنه، إنما المطلوب هو الترشيد، والاستخدام المعتدل، لتحقيق أغراض محددة واضحة. كما أنه من الضرورة إيلاء أهمية الرقابة الأسرية، وتوجيه الأطفال نحو الاستخدام الأمثل للشبكة، ووضع قواعد وضوابط للنفس قبل الغوص في محيطه، فالوقاية خير من العلاج.

 

شاهد أيضاً

دليل الاضطرابات النفسية التشخيصي والإحصائي

كتاب العلاج النفسي للطفل

ترجمة »